رأي.. تنمية المواهب: حاجة ملحّة في ظل تسارع جهود التحول الرقمي بالشرق الأوسط


هذا المقال بقلم كاثرين تشن، النائب الأول لرئيس هواوي ومديرة مجلس إدارة الشركة، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتبة ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.

وضعت معظم الدول العربية خططاً طموحة لإنجاح خطط التحول الرقمي ضمن مختلف القطاعات والصناعات وبناء اقتصاداتها الرقمية بالاعتماد على أحدث الحلول والابتكارات التقنية استعداداً لمرحلة ما بعد النفط. وتمتلك معظم هذه الدول أسساً ومحفزات تعود جذورها للإرث العريق في مجال التقدم العلمي للعرب، سواء في الجبر أو الفيزياء أو الفلك وغيرها، بالإضافة لوفرة ونوعية الموارد البشرية التي كان لها أثر واضح في تاريخ المساهمات المعرفية التي قدمتها المنطقة للعالم ومهدت الطريق للتطور الكبير الحاصل في عالم التكنولوجيا على مدى العصور الماضية، وتطور قطاع تقنية المعلومات والاتصالات في الوقت الحالي.

تعتبر البنية التحتية المتماسكة من المقومات الأساسية لتحقيق الازدهار والاستدامة في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، حيث تسهم البنية التحتية التقنية في توفير شبكات مستدامة يمكن الاعتماد عليها لبناء قطاع تقني متصل وذكي يرخي بظلال إيجابياته على مختلف القطاعات الأخرى بفضل التقنيات الحديثة ذات الميزات الكبيرة مثل الجيل الخامس والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والطاقة الرقمية. وأشار الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن زيادة الاعتماد على التقنيات الرقمية بنسبة 10% من خلال وضع السياسات والقوانين التنظيمية الملائمة أدت إلى نمو حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية بنسبة 2.49% وفقاً لمؤشر تنمية النظام الإيكولوجي الرقمي (CAF). كما أشار تقرير العالم الذكي 2030 الذي نُشر مؤخراً إلى أن هناك توجهاً متزايداً نحو البحث في كيفية الاعتماد على الحلول التقنية للتغلب على التحديات الصعبة التي تواجه التنمية البشرية على مدار الأعوام القادمة. ويعتبر الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون مجرد مثال واحد على الإسهامات التي يمكن أن تقدمها التقنيات الحديثة.

وللاستفادة من الإمكانات التي توفرها التكنولوجيا، تبرز اليوم أهمية توفير نظام إيكولوجي متماسك للمواهب أكثر من أي وقت مضى. لكن إعداد الكوادر والقيادات التقنية المستقبلية يجب أن يبدأ بتعزيز جودة التعليم التقني وجعله متاحاً للجميع، بالإضافة للتركيز على محور توفير المهارات العملية اللازمة للأفراد المتخصصين ليتمكنوا من أخذ دورهم بشكل فاعل في بناء الاقتصاد الرقمي ودفع عجلة التنمية الاجتماعية.

التغلب على التحديات

على الرغم من اختلاف الرؤى والخطط التنموية بين الدول العربية، إلا أن هناك نقطتين مشتركتين في العديد من أجندات التنمية في العالم العربي، الدور الحيوي للتحول الرقمي وأهمية تمكين الشباب والارتقاء بهم لمستوى تحديات ومتطلبات الحقبة الرقمية.

وتعتبر هذه الأولويات جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية التحول الشاملة الواجب تنفيذها، إذ أكد تقرير نشرته شركة “آرثر دي ليتل” مؤخراً أن توفير مركز للعلوم والأبحاث والتكنولوجيا والخدمات الرقمية في المنطقة يتطلب تنمية القدرات المحلية وزيادة تمويل الأبحاث العلمية والتقنية. وتبرز أهمية هذه الاستثمارات بشكل واضح اليوم على ضوء التحديات والتغيرات التي يواجهها القطاع التعليمي في العالم العربي، حيث قال 87% من الشباب العرب أنهم غير راضين عن جودة التعليم في بلدانهم وفقاً لأحدث استطلاع للشباب العربي 2021. وقال 70% من مسؤولي الشركات في منطقة الشرق الأوسط – وهي نسبة أكبر من أي منطقة أخرى – أن القوة العاملة التي تتمتع بالمهارة والتعليم والكفاءة والقدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات وتعلّم الآلة وغيرها من التقنيات الحديثة هي من الأولويات بالنسبة للشركات في المنطقة وفقاً لأحدث استطلاع أجرته شركة PwC.

واكتسبت هذه الأولويات أهمية أكبر في ظل تفشي الجائحة التي ساهمت في تزايد الاعتماد على الانترنت وخدمات الحكومة الإلكترونية والتجارة الإلكترونية. ومن خلال تعاونها مع 440 كلية وجامعة وأكثر من 20 وزارة ومؤسسة في مجال تنمية المواهب وإعداد الكوادر التقنية في دول المنطقة، وضعت هواوي استراتيجيات واضحة الهدف ستؤتي أكلها في مجال ردم فجوة المواهب الرقمية في العالم العربي وصقل المواهب والخبرات لإعداد القيادات التقنية المستقبلية التي سيقع على كاهلها مهمة قيادة مسيرة التحول بالاستفادة القصوى من التكنولوجيا.

نقطة البداية تتمثل بإنجاز مهمة توفير التدريب على المهارات اللازمة من خلال المناهج التعليمية في أقرب وقت ممكن لأنه لا يمكن إحداث التغيير المطلوب إذا لم نوفر المعرفة والقدرات اللازمة للشباب لتمكينهم من الانتقال لمرحلة المنافسة في سوق العمل المستقبلي. وأشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن محو الأمية الرقمية هو من الكفاءات التعليمية الأساسية في المستقبل.

السر يكمن بالالتزام بمواصلة تنمية المواهب ليس خلال المرحلة الدراسية فحسب، بل في أماكن العمل. حيث تبرز الحاجة للمواهب خلال الوقت الحالي في كافة المجالات بعد أن ساهم التحول الرقمي في نشوء سوق حقيقي للمواهب التقنية يزداد الطلب فيه يوماً بعد يوم. والفجوة الحالية التي يجب التركيز عليها هي وضع خطة شاملة ومتكاملة تلائم متطلبات تنمية المواهب وواقع تغير طبيعة الوظائف في المستقبل، لا سيما في القطاع التقني ووجود تنافس كبير على جذب المواهب على المستوى العالمي.

يجب أن نعمل على تغيير الطريقة التي نتعامل بها مع التعليم والطرق التقليدية في تنمية المواهب، حيث تشمل الخطط التقليدية لتنمية المواهب العديد من الجهات الحكومية والأكاديمية العامة والخاصة والقطاع التقني، وقد تختلف الأهداف والأولويات بين هذه الأطراف مما يؤدي إلى ثغرات تعيق مسيرة توفير المهارات الرقمية اللازمة لتعزيز الابتكار. ويمكن للشركات التقنية أن تسهم في ردم الفجوة وسد الثغرات بين المؤسسات التي توفر التمويل اللازم لتنمية المواهب والجهات التي تحتاج لهذه المواهب من خلال التعاون مع جميع الأطراف المعنية بتحقيق نجاحات مشتركة.

تتعامل الجامعات اليوم مع تحديات تحقيق التناغم بين تنمية المهارات وخدمة أهداف التنمية وبناء الاقتصاد الرقمي من خلال المناهج المحدثة التي توضع لتحقيق أهداف أكاديمية ومحلية محددة. وعلى الرغم من أهمية التخطيط على المستوى المحلي، إلا أن الطابع العالمي يغلب حالياً على مشهد التوجهات التقنية. لذا، يجب أن تركز استراتيجية تنمية المواهب في العالم العربي على توفير المهارات العملية للمواهب المحلية على ضوء واقع التقدم التقني الكبير الحاصل عالمياً.

على مدار الأعوام العشر الماضية، دعت هواوي إلى تعاون القطاعين العام والخاص وتوحيد الجهود لبناء نظام إيكولوجي مفتوح ومشترك لمواهب تقنية المعلومات والاتصالات يعود بالنفع على جميع الأطراف. وأطلقت فعلياُ العديد من البرامج والمبادرات السنوية كمسابقة هواوي لتقنية المعلومات والاتصالات في الشرق الأوسط وبرنامج بذور من أجل المستقبل وأكاديمية هواوي لتقنية المعلومات والاتصالات والمختبرات المشتركة مع الجامعات وبرنامج LearnOn وتستهدف جميعها الإسهام في مسيرة التنمية وبناء اقتصاد رقمي مستدام قائم على المعرفة المنطقة.

يسهم التحول الرقمي في بناء عالم أكثر صحة وتعليماً وازدهاراً واستدامة، ويوفر فرصاً متكافئة للجميع. لكن يجب على القطاعين العام والخاص الالتزام ببناء مزيد من جسور التعاون وتوحيد الجهود لتحسين المهارات التقنية مواكبة للمتطلبات المستقبلية. ولنتذكر دائماً بأن أول المعنيين بذلك هي مؤسسات القطاع التقني والجهات الحكومية والمؤسسات التعليمية بدعم من الشركات التقنية التي يجب عليها الانخراط بفاعلية في هذا المحور الحيوي المهم للوفاء بمسؤوليتها الاجتماعية.



Source link

اترك تعليقاً