رأي: بشار جرار يكتب عن أزمة سدود الأردن.. “دق الماء” وناقوس الخطر


هذا المقال بقلم بشار جرار، متحدث ومدرب غير متفرغ مع برنامج الدبلوماسية العامة – الخارجية الأمريكية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.

من الأمثال الشعبية المعروفة في الأردن والهلال الخصيب: دق الماء وهي ماء. ويقال فيمن يصر على هدر “رد الفعل”، وإن كان دقا ودكا! فحتى يكون الحل ناجعًا مستدامًا لابد من حسن تشخيص المشكلة وتدبر الحلول المثلى لها وليس بالضرورة أن تكون مثالية بقدر ما ينبغي أن تكون واقعية.

قدر الأردن والمنطقة برمتها، بما فيها الأكثر قداسة للأديان الإبراهيمية، قدرها شح المياه وتذبذبها. قصة الإنسان في ذلك الجزء من العالم ارتبطت بالسماء لا وحيا فقط وإنما مصدرًا رئيسيًا للحياة حيث الأمطار تبقى معيارًا لمدى رضاها على قاطني الأرض على الأقل من وجهة نظر من ربطوا توفر المياه برضى مرسل السحاب عن الناس. فليس غريبًا تكرار تلك الأسطوانة من “ابتزاز” الحكومات والأفراد أيضًا بعقدة الذنب بأن الخطايا هي سبب ما نحن فيه. ويبدعون ويتفننون بصرف النظر عن صدقهم أو صوابهم في تفسير النعيم الذي تنعم فيه شعوب وبلاد لا تعرف شيئا عن السماء، بل ومنها من يتحدى شرائعها من وجهة نظر من نصبوا أنفسهم ديّان العالمين!

ما سبق هو أساس من ينبغي تغييره إن أردنا حل قضية اختلال معادلة الموارد والسكان وإدارة الموارد الطبيعية والبشرية. آن الأوان لتفريق الدين عن الدجل والعلم عن الخرافة. لم يكن عبثا تضمين خطط عمل وكالة التنمية الأمريكية في الأردن لتعزيز الأمن المائي في الأردن على مدى سبعة عقود وأكثر، بندا رئيسيًا يعنى بـ”التغيير المسلكي”. المسألة ليست حكومية فقط وإنما فردية تشمل المستهلك وليس المزارع أو الصناعي فقط.

والأردن كثاني أكثر دول العالم فقرًا في المياه، بحسب الأمم المتحدة، لم تصل حصة الفرد فيه المئة متر مكعب فيما يعتبر رقم الخمسمئة حد الفقر المائي الشديد. هذه الكارثة تضع خطا أحمر كبيرًا تحت رقمين رصدتهما “يو إس إيد” بالتعاون مع وزارة المياه الأردنية، وهما: نصف مياه الأردن تستخدم في الزراعة التي لا تساهم أكثر من أربعة بالمئة من الناتج الإجمالي الوطني للاقتصاد. ثمة خلل لا ينبغي أن ينسي الأردنيين مقولة أحد أقرب رؤساء الوزراء إلى قلوبهم حتى يومنا هذا وهو الشهيد وصفي التل الذي اغتالته رصاصات غدر تنظيم “أيلول الأسود” الإرهابي في القاهرة، الذي تصادف ذكرى استشهاده الخمسون في الثامن والعشرين من الشهر الجاري. وصفي اعتز دائمًا بأنه فلاّح “حرّاث” باللهجة الأردنية، مُعتبرا مواجهة الزحف العمراني والصحراوي مسألة أمن قومي وكذلك الاعتداد بالقمح الأردني والحوراني الذي كان صومعة حبوب الإمبراطورية الرومانية.

مكانة الإيمان والتاريخ والوطنية محفوظة لكنها محروسة أيضًا بالعلم والتجربة والبرهان بأن القضية ليست أردنية أو إسرائيلية أو شرق أوسطية، القضية عالمية وعنوانها تحدي المناخ الذي حددته وكالة الاستخبارات المركزية -سي آي إيه- بأحد مصادر التهديد الأكثر تحديا لأمن أمريكا في القرن الواحد والعشرين. من حظنا جميعا أن إدارة جوزيف آر بايدن بصرف النظر عن مواقف عواصم الشرق الأوسط منها ومن إدارة باراك حسين أوباما “الثالثة”، تقر بجدية هذا التحدي، فمرة أخرى المشكلة ليس ماءً فقط ولن تحل بدق الماء! هذه الحرائق السنوية المتكررة جراء الجفاف تضرب بلا رحمة غابات ومناطق حرجية متفاوتة الظروف المناخية من كاليفورنيا إلى إسرائيل ولبنان وسورية والأردن مرورًا باليونان. وتلك الفيضانات تغرق فلوريدا وألمانيا وتركيا. وبحسب تقييم أجهزة استخبارية أمريكية فإن عشرة مواقع في العالم مرشحة لـ”حروب مياه”، بحسب جويس ستار الخبير في الأمن المائي، معظمها شرق أوسطية.

حتى “الربيع العربي” المشؤوم ارتبط في أحد نظرياته بموسم الجفاف الذي ضرب سوريا، حيث دفع فقر المزارع ونزوحه إلى المدن وتفشي البطالة إلى توفير بيئة جاذبة لتجار الدين الذين يقتنصون معاناة الناس ويرفعون حالة السخط إلى مستوى من الحشد الذي يتم توظيفه في مخططات إرهابية أو إجرامية. انتشار الجريمة، خاصة ذات صبغات التوحش مرتبط أيضًا بتلك البيئة، فالعوز الاقتصادي والحرمان الاجتماعي غالبا ما يؤدي إلى انحرافات واضطرابات فردية واجتماعية.

يبقى الأمل في حلول مبتكرة شاملة مستدامة تتعامل مع الواقع كما هو لا كما نظنه أو نحنّ إليه من ماضينا المجيد. نقص المياه والحاجة إلى تحسين نوعيته قضية العالم كله. الانفجار السكاني مازال تحديًا حقيقيًا والنمو غير الطبيعي للسكان بدافع التهجير الخشن والناعم (الحروب والأزمات الاقتصادية وغياب الحكومات الرشيدة) مازال العامل الأكثر ضغطا على أي ميزانية، فما بالك بالأردن الذي خذله كثيرون من الأشقاء والأصدقاء رغم بيانات الإشادة والدعم على إيوائه موجات المهاجرين والوافدين. هذا الاختلال بمعادلتي الموارد والسكان آن له أن ينتهي.

من الحلول التي أوئمن بها ما وصف ب”الإيكو بيس” السلام البيئي، فالمستقبل أزرق أخضر لنا جميعا إما حياة، وإما فناء لا قدّر الله. وليت الناعقين بمعاداة “التطبيع” دق الماء بعيدًا عنا والكف عن بيعه في “حارة السقايين” كما يقال.

“قناة البحرين” قادمة لأنها مسألة وجود لا حدود. ومن أراد صنع السلام -ومن ثماره وجذوره أيضًا التنمية-، عليه أن يفصل مساراته تماما كما كانت آلية مؤتمري مدريد وموسكو في القرن الماضي. الأمن البيئي (المائي) الآن يتصدر الموقف ولهذا الميدان فرسانه، منهم في الأردن الدكتور منذر حدادين الذي تولى قيادة هذا الملف طوال مسيرة صنع السلام بين الأردن وإسرائيل.



Source link

رأي.. بشار جرار يكتب عن خيارات بايدن وإسرائيل مع طهران: الدبلوماسية أولًا ولكن


هذا المقال بقلم بشار جرار، متحدث ومدرب غير متفرغ مع برنامج الدبلوماسية العامة – الخارجية الأميركية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.

خبريّا انشغلت الصحافة الأميركية والإسرائيلية عن المهم بالأكثر أهمية، التفجير الانتحاري الذي نفذه أحد إرهابيي داعش خراسان (أيسيس كيه) لم يكن مجرد حدث ضمن التداعيات المتوقعة للانسحاب من أفغانستان، وإنما بمثابة رنين مدوي لجرس إنذار يذكر المجتمع الدولي بأسره، ما هو الإرهاب. هذا التنظيم يرى في طالبان التي مازالت مصنفة حركة إرهابية في معظم دول العالم، يراها حركة “مرتدة”!

فيروس التطرف العنيف أو الإرهاب -كما جميع الفيروسات- سريعة العدوى وقابلة للتحوّر. معركة لا تجدي فيها اللقاحات بقدر ما تحسمها المناعة الطبيعية. ورغم حرص الزعيمين الضيف نفتالي بينيت رئيس أكبر حكومة تعددية في تاريخ إسرائيل والمضيف جو آر بايدن الذي بشر العالم في خطاب التنصيب بأن “أميركا قد عادت وعادت معها الدبلوماسية”، رغم حرصهما على الظهور متفقين في إدانة الحدث، إلا أن التفاصيل حملت ما هو أبعد من المجاملات الدبلوماسية.

أحسن بينيت في التقاط الإشارة الأكثر خطورة وأهمية في هذا الفعل الإجرامي عندما تساءل عن مدى خطورة امتلاك “دولة ترعى الإرهاب سلاحا نوويا”، مذكرا بأن “إيران هي المصدر الأول للإرهاب في العالم”. بايدن بدوره وقد بدأ الحديث الذي لم يعرض على الهواء مباشرة لانشغال التلفزة الأمريكية ببث وقائع مؤتمر صحفي في البنتاغون عن أفغانستان، بدأ متمسكا بخيار الدبلوماسية أولا معلنا عن “خيارات أخرى” في حال فشل مفاوضات فيينا في تحقيق الغاية التي يتفق عليها الجميع داخل أمريكا وخارجها وهو عدم السماح لإيران بامتلاك قنبلة نووية.

لكن التوقيت ألقى بظلال ثقيلة على تلك “الخيارات الأخرى” وإن كان وعيد بايدن لمنفذي اعتداء مطار حامد كرزاي في كابول قد تحقق بعيد لقائه بينيت، حيث تكفلت طائرة بلا طيار أمريكية باقتناص أحد “مخططي” التفجير الذي أودى بحياة ثلاثة عشر جنديا أمريكيا وعشرات الضحايا من المدنيين الأفغان بينهم أطفال.

وأمام الرسائل التي تبدو متضاربة في الصور الواردة من مسرح “أكبر عملية إجلاء جوي منذ الحرب العالمية الثانية”، وردت عبارة في غاية الأهمية -خاصة بالنسبة للإدارات الأمريكية الديموقراطية- على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي عندما قال إن بلاده” لن تطلب من أي كان القتال نيابة عن إسرائيل” لا وجود لمصطلح “آوت سورسينغ” بمعنى شراء خدمات الآخر، عندما يتعلق الأمر بالأمن لا بل بالوجود. هكذا ترى إسرائيل على اختلاف حكوماتها الخطر الذي تمثله إيران، وهنا لا فرق بين بينيت وسلفه بنيامين نتانياهو أطول رؤساء إسرائيل خدمة.

قبيل زيارة بينيت إلى واشنطن وهي الأولى له خارج إسرائيل، نشرت الصحافة الإسرائيلية تعليقا لسلفه نتانياهو على تسليم الجيش الوطني الأفغاني البلاد لطالبان، بأنه رفض يوما ما عرضا من وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري (إبان إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك حسين أوباما) بالاطلاع على تجربة واشنطن والناتو في تسليح الأفغان وتدريبهم كجيش وشرطة لمواجهة إرهاب طالبان وتنظيمات أخرى. تفاخر نتانياهو – ويبدو أنه محقا – بأنه رفض نقل التجربة للساحة الفلسطينية (الضفة والقطاع).

مرة أخرى تثبت الأحداث الشرق أوسطية ترابطها الجدلي التراكمي. ما من ساحة بعيدة عن الأخرى. القضية الأساسية كانت وما زالت هي محاربة الإرهاب. ولعل الأقل كلفة بالأرواح والأموال هو التعرف – بصدق وتواضع – على أسبابه ومصادره.

الصورة التي ما زالت “صادمة” هي سماح واشنطن في ظل إدارة أوباما الثالثة كما يراها كثيرون لتكرار سيناريو الانسحاب من العراق ومن ثم من أفغانستان، في العراق مرة أخرى وربما سوريا. فما كان أوباما يسميها مجرد “فريق رياضي من طلبة المدارس” (جيه في- جونيور فارسيتي) صارت تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق وسوريا”! ومن ثم تحورت إلى داعش خراسان في نسخة أكثر خطورة حتى من القاعدة خراسان التي قامت الطائرات الأمريكية بقصفها قبل سنوات في سوريا!

من هنا، فإن وعد بايدن بإبقاء التفوق الاستراتيجي العسكري لإسرائيل على أعدائها “مجتمعين”، لن يقف عند إمداد “القبة الحديدية” بما يلزم وإنما بالتعامل مع من يمد تنظيمات “المقاومة والممانعة” وجميعها مصنفة إرهابية، في أمريكا (الجمهورية والديموقراطية). بهذا تعلم طهران على وقع ما يجري في كابول، أن ثمة أمور قيد الإعداد. ليس من بينها قطعا، بقاء نظامي “ملالي” في الشرق الأوسط “الكبير” أو “الجديد” أحدها شيعي في طهران والآخر سني في كابول!



Source link

رأي.. حبيب الملا يكتب لـCNN عن تنازع القوانين الاتحادية والمحلية بشأن هتك العرض بالرضا بالإمارات


هذا المقال بقلم الدكتور حبيب الملا، الرئيس التنفيذي لمكتب “بيكر ماكنزي-حبيب الملا” للمحاماة في الإمارات العربية المتحدة. الآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.

أصدرت مؤخرًا المحكمة الاتحادية العليا – دائرة النقض الجزائي – في الطعن رقم 470/2021 حكماً برفض طعن تقدمت به متهمة وتأييد الحكمين الصادرين من المحكمة الاتحادية الابتدائية والمحكمة الاتحادية الاستئنافية في إمارة الشارقة.

وتعود وقائع الدعوى إلى قيام النيابة العامة بإحالة متهمة إلى المحاكمة الجنائية بوصف أنها كونها أنثى تبلغ من العمر أكثر من ثمانية عشر عاماً مكنت رجلاً من مواقعتها مواقعة غير مشروعة برضاها وطلبت معاقبتها طبقاً للمادة 172 من قانون العقوبات المحلي لإمارة الشارقة الصادر سنة 1970.

دفعت المتهمة التهمة عن نفسها، ضمن دفوع أخرى، بأن فعل هتك العرض بالرضا قد رُفع عنه التأثيم والتجريم عملاً بالمرسوم بقانون رقم 15 لسنة 2020 الصادر بتاريخ 17/9/2020. إلا أن محكمتي الموضوع طبقتا على الواقعة قانون العقوبات المحلي الصادر عن إمارة الشارقة وأيدت المحكمة الاتحادية العليا هذا التوجه بتأييدها الحكمين الصادرين عن محكمة الموضوع فقضت بتجريم الواقعة بموجب أحكام قانون العقوبات المحلي.

وكان المُشرع الاتحادي فى دولة الإمارات قد أجرى تعديلات على قانون العقوبات الاتحادي رقم 3 لسنة 1987، وذلك بموجب المرسوم بقانون رقم 15 لسنة 2020، تضمنت إلغاء بعض المواد المتعلقة بجريمة هتك العرض بالرضا الأمر الذى كان مثار اهتمام واسع من المقيمين فى الدولة.

ولقد أثار الحكم الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا جدلاً قانونياً بين من يرى أن الحكم تضمن مُخالفة دستورية لنص المادة 151 من دستور دولة الإمارات التي نصت على أن ” لأحكام هذا الدستور السيادة على دساتير الإمارات الأعضاء في الاتحاد، وللقوانين الاتحادية التي تصدر وفقاً لأحكامه الأولوية على التشريعات والقرارات الصادرة عن سلطات الإمارات. وفي حالة التعارض يُبطل من التشريع الأدنى ما يتعارض مع التشريع الأعلى وبالقدر الذي يزيل ذلك التعارض وعند الخلاف يُعرض الأمر على المحكمة الاتحادية العليا للبت فيه”.

وبناء على هذا الرأي كان يتوجب تطبيق القانون الاتحادي وإباحة فعل المواقعة.

بينما ذهب آخرون إلى أن المادة 151 من الدستور مقيدة بتحقق التعارض. والتعارض يتحقق حينما نكون بصدد نصين متعارضين، أما في حالة غياب النص في التشريع الاتحادي ووجوده في التشريع المحلي فإننا لا نكون أمام حالة التعارض الواردة في المادة 151 من الدستور.

ويرى هؤلاء أن إلغاء التشريع الاتحادي للنص العقابي أدى إلى وجود فراغ تشريعي يمكن للتشريعات المحلية أن تملأه. وأن هذا ليس إلا تطبيقاً لنص المادة 149 من دستور دولة الإمارات التي تنص على أنه استثناءً من أحكام المادة 121 يجوز للإمارات أن تطبق التشريعات اللازمة في المادة المذكورة. وأنه في حالة خلو التشريع الاتحادي من نص يعالج الواقعة المطروحة فإنه يحق للإمارات الأعضاء في الاتحاد تطبيق قوانينها المحلية.

ونظرًا لأهمية هذا الحكم وما قد يتبعه من أحكام فإن الأمر يستدعى بحث الجوانب المتعلقة به كافة للوقوف على التطبيق القانونى الواجب فى مثل هذه الحالة. وباستعراض النصوص التشريعية كافة، منها الدستور والقوانين الاتحادية والمحلية يرجح أن مآلات النصوص قد تغاير ما ذهب إليه الحكم الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا حينما قضى بتطبيق قانون العقوبات المحلي الصادر عن إمارة الشارقة وغاير الإرادة التشريعية التي عبر عنها المرسوم بقانون رقم 15، وآية ذلك الآتي :

– أن مناط استنباط الأحكام من النصوص وتنزيلها على الوقائع لا يكون من خلال التطبيق المجرد للمباني والألفاظ التي سبكت التشريع. وإنما يكون أيضاً من خلال استشفاف الغاية التشريعية التي تدل عليها النصوص وتهدي لها المعاني التي تضمنتها بنود التشريع وكلماته. وهذا ما ذهبت إليه بحق محكمة التمييز في إمارة رأس الخيمة في الطعن رقم 2 لسنة 16ق 2021 حين قررت أن الأصل في تفسير نصوص التشريع هو اتباع منهج التفسير اللغوي أو اللفظي للنص باستنباط المعنى الذي أراده الشارع من الألفاظ والعبارات التي يتكون منها النص، سواءً من عبارته أو إشارته أو دلالته. فإذا تعذر على القاضي الوقوف على قصد التشريع عن طريق التفسير اللغوي، أو أدى هذا التفسير إلى نتائج غير منطقية تتعارض مع الغايات التي توخاها المشرع من التنظيم القانوني لأمر معين، أو كان التفسير يتنافى مع مبدأ الشرعية، فلا مناص حينئذ من هجر المنهج اللغوي في التفسير إلى المنهج المنطقي، صعوداً من معنى عبارات النص إلى روحه، حتى بلوغ قصده، وذلك بالاستعانة بعناصر خارجة عن النص ذاته منها الأعمـال التحضيرية، والمصادر التاريخية له، والحكمة من النص، والجمع بين النصوص”.

وبناءً على ذلك فإن المشرع الاتحادي حينما أصدر المرسوم بقانون رقم 15 لسنة 2020 وعدل المادة الأولى من قانون العقوبات الاتحادي وأخرج فعل هتك العرض بالرضا أي وطئ الرجل لامرأة بالغة عاقلة بالتراضي والاتفاق من نطاق جرائم الحدود، ولم يعد هذا الفعل فى بعض صوره يشكل جريمة في القانون الجزائي التعزيري، فإنما عبر عن إرادة صريحة في إخراج بعض صور هذا الفعل من نطاق التأثيم الجنائي إلى مجال الإباحة وعدم التجريم. لذلك فإن العودة إلى تجريم هذا الفعل من خلال نصوص التشريع المحلي فيه إهدار لإرادة المشرع الاتحادي في هذا الشأن وإيراد لما لم يرده.

أما القول بأنه بإلغاء التشريع الاتحادي للنص العقابي يصبح المجال ساحة مفتوحة لفراغ تشريعي يمكن سده بنصوص التشريع المحلي فإن هذا القول كان يمكن أن يكون له محل من الاعتبار في واحدة من حالتين؛ الأولى، أن يأتي التشريع الاتحادي بنص صريح يترك فيه أمر تجريم الفعل للتشريع المحلي.

ومثال ذلك ما ورد في المادة 313/2 من المرسوم بقانون رقم 15 المشار إليه آنفاً حينما نص على حق “كل إمارة تنظيم استخدام وتداول وحيازة المشروبات الكحولية أو الإتجار بها”. ‏ففي هذه الحالة أتى المشرع بنص صريح أطلق به يد المشرع المحلي في تحديد الإطر التنظيمية للحالة المعنية.

والحالة الثانية أن يمتنع المشرع الاتحادي عن تجريم الفعل أصلاً بألا يورد نصاً بتجريمه من الأصل. أما أن يأت المشرع الاتحادي بنص يجرم الواقعة ويحسر بذلك إمكانية تجريمها من خلال النصوص المحلية، ثم يأتي بعد ذلك بنص يرفع فيه التجريم عن الفعل فإننا لا نكون والحالة هذه أمام فراغ تشريعي يستدعي جلب النصوص التشريعية المحلية لأن في ذلك تجاهل لإرادة المشرع الاتحادي الذى قصد إباحة الفعل أو بعض صوره وذلك بتجريم فعل قصد المشرع إباحته.

ومن ناحية أخرى، فإن القول بأن قانون العقوبات الإتحادى فى الإمارات لا يعاقب على جريمة هتك العرض بالرضا هكذا بالمطلق قول يجانب الصحة ولا يوافق السداد. فقانون العقوبات الاتحادى قد تضمن نصًا صريحًا فى مسألة هتك العرض بالرضا وأوقع له عقوبة وذلك فى صلب المادة 356 من المرسوم بقانون رقم 15.

حاصل ما فى الأمر أنه خصه بحالات معينة من السن أو بعارض من عوارض الأهلية. وفى ذلك تنص المادة 356 من المرسوم بقانون رقم 15 على الآتي:

“ويعاقب على هتك العرض بالرضا بذات العقوبة المنصوص عليها في الفقرة السابقة، إذا كان سن المجني عليه ذكراً أم أنثى أقل من أربعة عشر عاماً، أو إذا وقعت الجريمة على شخص لا يُعتد بإرادته، لصغر السن أو الجنون أو العته”. فأين هو الفراغ فى التشريع الاتحادى المستوجب ملأه بنصوص التشريع المحلى؟

بل على النقيض من ذلك فإن حاصل مراد هذا النص أن واقعة هتك العرض بالرضا في غير الحالات المنصوص عليها في هذه المادة حصراً ليس من شأنها أن تشكل جريمة ولا أن تستدعي عقاباً. فكيف فات على الحكم مثل هذا النص الواضح الصريح فى الدلالة على غاية المشرع وقصده، خاصةً فيما هو مجرم من حالات هتك العرض بالرضا وما هو غير مجرم منها. خاصة إذا أضفنا إلى ذلك أن عامل الشك في المسائل الجزائية، وذلك على افتراض وجود مثل هذا الشك أصلا، يفسر لصالح المتهم.

ومن جهة أخرى، فقد عارض الحكم نص المادة الثالثة من المرسوم بقانون الاتحادي رقم 15 الذي ينص على أنه “يلغي كل حكم يخالف أو يتعارض مع أحكام هذا المرسوم بقانون” . ولفظ “كل حكم” جاء مطلقاً دون قيده بكونه حكماً اتحادياً أو محلياً. والقاعدة في التفسير أن المطلق على إطلاقه والعام على عمومه مالم يرد عليه قيد يحد من هذا الإطلاق أو يخص من هذا العموم.

فضلاً عن ذلك فإن هذا الحكم يستحضر للنقاش أمرًا ربما لم يسبق التعرض إليه ألا وهو جواز قيام محكمة اتحادية بتطبيق نصوص التشريع المحلي. إن الأمر الذي لا خلاف عليه هو أن المحاكم المحلية ملزمة بتطبيق القوانين الاتحادية حالها حال المحاكم الاتحادية، فالمادة 111 من الدستور تنص على وجوب العمل بالقوانين بعد شهر من تاريخ نشرها. والمكلّف بهذا الخطاب هم الكافة بمن في ذلك المحاكم المحلية للإمارات الأعضاء في الاتحاد. فطبيعة التشريع الاتحادي لا يصلح معه إلا البسط والنفوذ على كل إقليم الدولة.

أما التشريع المحلي فإن المخاطب به هم الأفراد والمؤسسات الواقعة ضمن حدود الإمارة التي أصدرت القانون. ولا يتخيل أو يُعقل أن يخاطب النص التشريعي المحلي مؤسسات اتحادية. فكيف للقضاء الاتحادي أن يستحضر نصوص التشريع المحلي غير المخاطب به ويقوم بتطبيقه والقضاء بموجبه؟ وما هو الأساس الدستوري لمثل هذا الاستحضار؟ أليس من شأن مثل هذا الاستحضار في رحاب القضاء الاتحادي الاستعاضة عن إرادة المشرع المحلى بالمشرع الاتحادى؟ ألا يعد هذا وضعا للقوانين في غير موضعها وتطبيق للنصوص في غير مكانها؟ ويتأكد هذا بوجود حكم سابق للمحكمة الاتحادية العليا أصدرته برئاسة المستشار الفاضل الدكتور عبدالوهاب عبدول مؤداه أن نطاق سريان القوانين المحلية لا يتعدى الإمارة التي أصدرتها.

ولا حجة لمن يستدل على غير ذلك بقيام القضاء الاتحادي بمراقبة دستورية القوانين المحلية الصادرة في الإمارات. فمراقبة دستورية القوانين وظيفة أنيطت بالمحكمة الاتحادية العليا بموجب صريح المادة ٩٩ من الدستور. كما أن مراقبة دستورية القوانين أمر يختلف تمام الاختلاف عن قيام المحكمة بتطبيق قانون معين.

الأمر الآخر الذي يجب الإشارة إليه هو أن الدستور قد نص في المادة 121 على أن الاتحاد ينفرد بالتشريع في الشؤون التالية ” ……… التشريعات الكبرى المتعلقة بالجزاء”. وفي معرض مثل هذا النص الصريح لا يمكن القول بانفراد الإمارات الأعضاء في الاتحاد بإصدار تشريعات جزائية مستقلة. وقد تتضمن بعض التشريعات المحلية خارج ناطق الجزاء موادا عقابية. ويعد هذا أمراً مقبولاً ولكن لا يقبل أن تصدر إمارة تشريعاً جزائياً مستقلا لمخالفة ذلك صريح نص المادة 121 من الدستور.

فضلاً عن ذلك كله فقد جانب الحكم قاعدة قانونية صريحة في مجال القوانين الجزائية وهي قاعدة تطبيق القانون الأصلح للمتهم. حيث أن واقعة الاتهام على ضوء أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم 15 لم تعد تشكل جريمة يعاقب عليها القانون باعتبار أن القانون الأخير هو الأصلح للمتهم.

وهناك نقطة قانونية أخرى تسترعي الانتباه وهي أن إلغاء النص العقابي قد أعاد الفعل إلى الإباحة الأصلية ولم يعد ممكنا أن يقوم القضاء بإخراج الفعل من دائرة الإباحة وإعادة تجريمه مرة أخرى بعد إفصاح المشرع عن رغبته في الإباحة.

إن الحكم الصادر من المحكمة الاتحادية العليا قد يكون مبعثه الحرص على المصلحة العامة والسلوك العام ولكن مثل هذا الحرص لابد أن يكون منضبطاً بالإرادة التشريعية التي تعبر عنها القوانين إما بصريح النص أو بعموم المعنى.



Source link

رأي.. بشار جرار يكتب: من سد مأرب إلى باب المندب التهديد الإيراني التركي


هذا المقال بقلم بشار جرار، متحدث ومدرب غير متفرغ مع برنامج الدبلوماسية العامة – الخارجية الأميركية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.

أحيى العراق بمشاعر متباينة ذكرى “النصر العظيم” الذي صادف في الثامن من آب الجاري. ثمانية أعوام من الحرب الضروس التي رآها البعض عبثية بين نظامين دكتاتوريين، فيما يراها البعض الآخر نصرا للعراق وبدعم عربي وخليجي بشكل خاص لحماية “البوابة الشرقية” للأمن القومي العربي. تحطمت أوهام “تصدير ثورة” نظام الملالي بالقوة العسكرية التقليدية إلى الشرق الأوسط عبر العراق. كلف الأمر مليون قتيل وثلاثمائة وخمسين مليار دولار.

ولأن النظم الشمولية مجبولة على السعي إلى التوسع والهروب من أزماتها الداخلية عبر الحروب مع الجوار، لم يكد الطرفان ينعمان بوقف إطلاق النار حتى بدأت حرب مستعرة لكن جمرا تحت رماد بوسائل غير تقليدية وبالوكالة، فكان ما نراه اليوم من حال لا يخفى على أحد حيث بات الاعتراف علانية بتبعية نظم ومليشيات لطهران في أربع ساحات عربية.

نوايا التوسع التي اختبأت خلف مياه “شط العرب” وخليج يسميه العرب عربيا وتصر إيران على فارسيته، أطلت بعد عقود من التغلغل والتمدد بالبكائية العقائدية تارة واللطمية السياسية تارة أخرى، أطلت برأسها على مضيق هرمز، سرعان ما أخذتها “العزة بالإثم” لتستهدف المضيق المقابل وهو باب المندب عبر بوابة “الحوثي” في اليمن الذي كان سعيدا وعلى نحو أكثر خطورة عبر أرخبيل سوقطرى. ويا لها من مفارقة أن تتقاطع الأطماع الإيرانية والتركية التي تتحارب على الساحتين السورية واليمنية فيما يخص سوقطرى التي سعت أنقرة إلى إقامة قاعدة عسكرية فيها لتوسيع وجودها العسكري في الصومال الذي جاء باسم محاربة القرصنة والإرهاب في منطقة القرن الإفريقي.

يعلنون بملأ الفم محاربتهم للتطرف والإرهاب لكنهم يدعمون ويرعون سرا وعلانية تنظيمات ينفون عنها صفة الإرهاب ويقولون إنها “مقاومة أو ممانعة” كحماس والجهاد وحزب الله وفصائل إسلامية قاتلت في سوريا وليبيا ومن قبل العراق. ويبدو أن الدعم الخليجي الذي كان سعوديا كويتيا بشكل خاص إبان الحرب العراقية الإيرانية ١٩٨٠-١٩٨٨ قد تحول إلى دعم يتجاوز الدعم المالي السخي إلى التصدي بكل الوسائل الدبلوماسية والعسكرية لحربين على جبهتين متقابلتين: مضيق هرمز وباب المندب. ولك أن تتخيل الموقف إبان استهداف مصر وقناة السويس عبر أعمال تجسسية وتخريبية اتهمت بها القاهرة ميليشيات حزب الله والإخوان المسلمين قبيل وإبان “حكم المرشد”!

مرة أخرى، تتقاطع أدوات طهران وأنقرة في استهداف الأمن العربي والأمن الملاحي الدولي عبر زواياه الأربعة: شط العرب شمال شرق، هرمز جنوب شرق، باب المندب جنوب غرب، وقناة السويس شمال غرب.

منذ بدء حرب اليمن ٢٠١٤ للتصدي لإيران ووكلائها الحوثيين تسنمت السعودية والإمارات المسؤولية الأولى والكبرى وتحملتا الحمل الأثقل، تماما كما تحمل العراق مسؤولية التصدي للخميني. لكن خامنئي تعلم الدرس من سلفه فاكتفى بالوكلاء والعملاء على أمل التنصل من العواقب التي يبدو أنها على شفير ضربة خاطفة قد تكون ماحقة في حال ثبوت تورط إيران باستهداف الملاحة البحرية. حضور مدير وكالة الاستخبارات المركزية – سي آي إيه – بنفسه إلى المنطقة للتباحث في ملف إيران وجها لوجه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي قبل لقائه بالرئيس الأمريكي جو بايدن في البيت الأبيض والذي تأجل إلى الشهر المقبل يحمل الكثير من المعاني..

تدعي طهران وأنقرة ومن سار في فلك إحداهما بأن الإمارات “تحتل” سوقطرى التي “هوت فيها أحلام الإخوان وتركيا” وفقا لمحافظها الأسبق، لكنهم جميعا لم يصدرا إليها وإلى الحوثيين وحزب الإصلاح (الإخوان المسلمين في اليمن) سوى القنابل والمقاتلين بمن فيهم المرتزقة حيث تم وفقا لموقع “منت برس نيوز” الأمريكي إحباط قوات التحالف العربي بقيادة السعودية محاولات تركيا تهريب مرتزقة من ليبيا وسوريا إلى اليمن عبر طائرة كانت متجهة إلى عدن محملة بلقاحات كوفيد التاسع عشر! في المقابل فإن عمليات إعادة الإعمار التي تجاوزت بحسب مصادر إماراتية رسمية المئة وعشرة ملايين دولار منذ ٢٠١٥ في سوقطرى وحدها، كرستها الإمارات بالكامل لمشاريع إنسانية إغاثية خدماتية وإنمائية شملت قطاعات حيوية.

أعادت الإمارات في ٢١ ديسمبر ١٩٨٦ بناء سد مأرب قبل عامين من انتهاء الحرب العراقية الإيرانية في عهد رئيسها الراحل الشيخ زايد، فيما تبين أن لطهران وأنقرة مآرب أخرى في اليمن والخليج والإقليم برمته. قبل أيام أدانت إدارة بايدن بصريح العبارة “السلوك” الإيراني في الخليج، وقد أدانت قبل أشهر “السلوك” التركي شرق البحر الأبيض المتوسط. فهل تنجح بكف يدي إيران وتركيا معا؟



Source link