الأخلاق تنتصر.. في مونديال قطر



نبيل فكري.. يكتب:

من يسير خلف الآخر مرغماً.. الأحداث، أم الأماكن؟

حين تنظم بطولة كبرى مثل كأس العالم، أكبر حدث رياضي على الإطلاق.. هل تفعل ما يريد.. أم تأخذه في الطريق الذي تريد؟

بمعنى آخر وواضح وصريح: وأنت تنظم كأس العالم، هل تنصاع للوائحها وطقوسها ومتطلباتها، أم أنها هي التي تنصاع لك؟.. من يسير خلف الآخر.. من يفرض الشروط ويرسم الخطوط؟

الإجابة قطعاً، وقولاً واحداً: من يفعل ذلك هو الجهة المنظمة.. البطولة تفرض شروطها، والاتحاد الدولي لكرة القدم لا يمنح حق التنظيم إلا لمن يلبي المطالب، لا يعرف حليفاً ولا يرضخ لصاحب.

وحدها قطر التي تمكنت في النهاية من أن تفعل ما تريد.. أخذت البطولة إلى حيث أرادت، وحيث تمنت، وحيث يليق بأرض العرب.. بدت وكأنها كانت من البداية ترتب لذلك، تركت من يتحدث يتحدث، وأجابت على من يسأل بدبلوماسية.. استدرجت الجميع إلى حلم بديع، فانتصرت الأخلاق في مونديال العرب.

أمس الأول، قال مارك روبرتس، رئيس وحدة شرطة كرة القدم في المملكة المتحدة، لصحيفة الميرور البريطانية إن الجماهير الإنجليزية عادت من مونديال قطر دون أي حوادث اعتقالات لأول مرة في التاريخ، مؤكداً أن الجماهير الإنجليزية التي ذهبت إلى قطر، معروفة بالحماس، غير أنها عادت دون حادث اعتقال واحد لأول مرة في تاريخ الجماهير الإنجليزية. قائد الشرطة، أعرب عن يقينه بأن القوانين الصارمة التي طبقتها قطر بشأن مبيعات الكحول ساهمت في عدم وجود أي اعتقالات.. وقدم روبرتس تقريره بعد خروج إنجلترا بالهزيمة الدرامية 2-1 في ربع النهائي أمام فرنسا، وقال إنه طوال مشاركة إنجلترا وويلز في كأس العالم لم تكن هناك حوادث تتطلب تدخل رجال الأمن أو توقيف مواطنين بريطانيين لأي سبب، مضيفا: كان سلوك جماهير إنجلترا وويلز في قطر مثاليًا للغاية. هذا هو العالم الذي تحججوا به من أجل الترويج لما يريدون.. لأول مرة يعود الإنجليز ولا أحد وراءهم في السجون بفعل مشاجرة أو خروج عن النص للجماهير المعروفة بتعصبها الشديد، يزداد الأمر -قطعاً- حين تدور العقول، لا تدري ما تفعل ولا ما تقول.

في المركز الإعلامي، الذي يضج بمئات الإعلاميين والصحفيين من كل حدب وصوب، ربما لا مجال في أي مكان بالعالم، لأن تسأل عن مكان للصلاة، لكن لأنك هنا على أرض عربية إسلامية، ستجد المساجد في القاعات والمراكز وحول الاستادات.. هنا صلينا في المركز الإعلامي وفي كل مكان ذهبنا إليه.. هنا غلفت قطر كل شيء بقيمنا وتقاليدنا، وألبسته ثوب النور والسناء.

ليس الأمر على هيئته التي روج لها البعض، فهي لم تخرج بالبطولة عن مسارها ولا روحها أو طبيعتها، كل ما في الأمر أنها أصرت على ترك بصمة المسلمين والعرب على البطولة، من خلال ما يمكن أن نسميه قوى ناعمة أو وادعة.. قوى روحية، تركت أثرها على النفوس التي جاءت إلى الدوحة تنشد مشاهدة الأبطال والنجوم، فعادت بما هو أكثر وأعمق وأبهى.. عادت بتجربة روحية، وعادت برؤية أخرى عن تلك الأرض التي ترسخت في العقل الجمعي الغربي، رمالاً وإبلاً وخياماً، فوجدوها ناهضة فتية في مسيرتها على الغد، لم تتخل عن كل ذلك الذي نشرف ونباهي به، لكننا أيضاً قد نسبق الغرب إن أردنا، وليس أدل على ذلك من البطولة التي عجز العالم كله طوال قرابة المائة عام هي عمر كأس العالم أن يقدم مثلها.

في كأس العالم بالدوحة، انتصرت الأخلاق أولاً.. دوى الأذان على مسامع الملايين صادحاً من جنبات الدروب، يلامس الروح والقلوب، ووثق كثير من المشجعين لحظات الأذان أو دخول المسجد أو الصلاة، وسجل الكثير من الضيوف تقديرهم وامتنانهم للاحتفاء العربي والروح العربية، التي لا زالت متهمة في مدارات عدة، تروج لها أطراف غربية بأنها أرض للعنف والكراهية.

تصدت قطر بذكاء وعبقرية لدعوات الانفلات الأخلاقي والمثلية، ومضت بالبطولة في مسارها الذي يعكس قيم وثوابت الأرض الإسلامية العربية، وفيما جاءت بعض الجماهير الغربية إلى هنا، تحاول استدعاء تاريخ الصدام بين الشرق والغرب، مرتدين ملابس تحاكي مقاتلي الحملات الصليبية، فإنهم سرعان ما انصهروا في المشهد الأكبر، ونسوا كل شيء أمام المد العربي الذي كان صدراً رحباً باتساع الشوارع والدروب.

كذلك، سجل كثير من مشجعي المونديال انبهارهم بحالة الحفاوة التي لم يتصوروها ولم يصادفوها في أي مكان آخر في العالم، وانعكست كرماً عربياً حاتمياً، على مستوى الضيافة والاحتضان الشعبي، والتي تضمّنت على المستوى الرسمي‫:‬ هدايا على كل مقعد في ملعب المباراة الافتتاحية، وفي المباريات الأخرى، وتنوّعت على المستوى الشعبي، حيث أظهرت مقاطع مرئية مشاهد يومية لتوزيع القهوة والحلوى والمشروبات على الجماهير الرياضية، أمام الملاعب وفي الأسواق والشوارع.

كما تعرّف الجمهور على المجالس المفتوحة وثقافتها وكرم أهلها، ووثّق بعضهم تلك التجربة في فيديوهات نشروها على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط أجواء الأمان انعكست على الجميع‫.‬

كما تسابق المشجعون إلى ارتداء الغترة ولبس العقال، ساعدهم قطريون ومقيمون على الظهور بهذا الشكل الخليجي، الذي تم تسويقه طويلاً في عديد من وسائل الإعلام الغربية وكأنه لباس التطرف والتشدد.

شوارع وميادين الدوحة نفسها كانت ساحات لفعاليات أخرى ربما خطفت الأضواء أحياناً من الكرة، فعلى ضفاف الخليج وممشى الكورنيش، وفي منصات متحف الفن الإنساني؛ تصاعدت مفاهيم وعي حضاري جديد وتحطمت مسلَّمات غربية، وشاهدنا الكرة لأول مرة كما يجب أن تكون‫..‬ في الدوحة 2022 كان هناك ما هو أكثر وأجمل من الكرة‫..‬ كان المونديال وجهاً حقيقياً للحياة التي يجب أن تكون‫..‬ الحياة التي تمثل الكرة وجهاً وحيداً فيها، وليس كل الوجوه‫.‬

ربما كانت المرة الأولى أيضاً التي تتصاعد فيها المشاعر الإنسانية لأقصى مدى، فشاهدنا الأمهات خلف المنتخب المغربي يسطرن حالة وجدانية رائعة، كانت محل تقدير واحتفاء العالم، الذي بدأ يسأل نفسه -على استحياء- عن الأسرة التي انفرط عقدها لديه هناك، فشاهد هنا، كيف أنها تصنع الفرحة والدفء والوفاء‫.‬

شاهدنا أيضاً الكيني أبو بكر، العامل البسيط الذي تحول إلى «تريند» وهو يوجه الناس إلى المترو، فبات هناك أبطال من غير نجوم الكرة‫.‬

هذا ما فعلته قطر..‬ أثبتت أن الإبداع لا يجب أن يكون في الملعب فقط، وأنه كي نسعد لا يجب أن نهدم الثوابت والقيم، وأن في الحياة متسع للجميع، وأن الأبطال قد يكونون من حقيقة وليس فقط من خيال‫.‬



Source link

اترك تعليقاً